صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

149

تفسير القرآن الكريم

إنسان . انتهى - . وتحقيق هذا التسبيح يستدعي بسطا في الكلام لا يسعه هذا المقام وربما يؤدي ذلك إلى شنعة الجهال واللئام عند سماعهم شيئا يخالف ما تلقفوه ممن أخذوا منه تعصبا وتقليدا ، والذي يليق ذكره هاهنا هو إن لكل نوع من الأنواع الجسمانية ملكا موكلا عليه مدبرا لآحاده ومعتنيا بتربية أفراده - كما ذهب إليه أفلاطن والحكماء المشرقيّون طباقا للشريعة الحقة من تسمية بعض ملائكة اللّه المدبرين لأنواع الأجسام بالإضافة إلى نوع ما يتعلق به تعلق التدبير والتأثير بإذن ربه العليم الخبير ، كملك الجبال وملك البحار وملك الرياح وملك الأمطار . فهذه حزب من الملائكة موكلة بجنس الأجسام ونسبة كل منها إلى أفراد مظهره الذي يقال له في عرف بعض عرفاء الحكماء الطلسم أتم في باب المعية من نسبة النفوس إلى أبدانها ، بل نسبته إليها نسبة حقيقة الشيء وذاته المطلقة عن العوارض الخارجة إلى ذلك الشيء . فكما إن الأفعال الصادرة عن الإنسان بالاختيار إنما يصدر عن هويته وذاته الباطنة عن إدراك الحسّ - وهو نفسه المدبّرة له - والبدن في ذاته من حيث هو بدن 11 لا شعور له بل لا وجود له كما حقّقنا ذلك في موضعه - فكذلك هذه الأجسام الطبيعية إنما يصدر ما ينسب إليها من الحركة والسكون والتغذية والتنمية والتوليد وغيرها من ملكوتها وبواطنها التي هي صورة حقيقتها ومقوم ذاتها ، لا من جسميتها ومادتها . 12 ثم إنه قد ثبت في المعارف الربوبية إن كل ما يصدر عن المبادي الذاتية فهو إنما يصدر عنها تضرعا ورجوعا إلى باريها العالي ، لا التفاتا إلى السافل ، وحقيقة التسبيح ليست إلا ما يستلزم الخضوع والتمجيد سواء كان باللسان أو بآلة أخرى ، فأشخاص العالم بأسرها في هذه العبادة الذاتية وهذا السجود الفطري متدينة بهذا الدين الإلهى الذي قام به وواظب عليه الجميع ، إلا كل مخلوق له قوة التفكر والروية وليس إلا النفوس